الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
246
تفسير روح البيان
قال الحافظ خواب وخورت ز مرتبهء خويش دور كرد * آنكه رسى بخويش كه بىخواب وخور شوى ثم إن الإسراف ليس متعلقا بالمال بل بكل شئ وضع في غير موضعه اللائق به ألا ترى ان اللّه تعالى وصف قوم لوط بالإسراف لوضعهم البذر في غير المحرث فقال ( إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ) ووصف فرعون بقوله ( إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ ) فالتكبر لغير المتكبر إسراف مذموم وللمتكبر اقتصاد محمود وعلى هذا فقس وفي الآية إشارة إلى أهل اللّه الباذلين عليه الوجود ( إِذا أَنْفَقُوا ) وجودهم في ذات اللّه وصفاته ( لَمْ يُسْرِفُوا ) اى لم يبالغوا في المجاهدة والرياضة حتى يهلكوا أنفسهم بالكلية كما قال ( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) ( وَلَمْ يَقْتُرُوا ) في بذل الوجود بان لا يجاهدوا أنفسهم في ترك هواها وشهواتها كما أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السلام فقال ( انذر قومك من أكل الشهوات فان القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عنى ) ( وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ) بحيث لا يهلك نفسه بفرط المجاهدة ولا يفسد قلبه بتركها وتتبع الشهوات كما في التأويلات النجمية وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ لا يعبدون مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ كالصنم اى لا يجعلونه شريكا له تعالى يقال الشرك ثلاثة . أولها ان يعبد غيره تعالى . والثاني ان يطيع مخلوقا بما يأمره من المعصية . والثالث ان يعمل لغير وجه اللّه فالأول كفر والآخران معصية وفي التأويلات النجمية يعنى لا يرفعون حوائجهم إلى الأغيار ولا يتوهمون منهم المسار والمضار وأيضا لا يشوبون أعمالهم بالرياء والسمعة ولا يطلبون مع اللّه مطلوبا ولا يحبون معه محبوبا بل يطلبون اللّه من اللّه ويحبونه به : قال الصائب غير حق را مىدهى ره در حريم دل چرا * ميكشى بر صفحهء هستى خط باطل چرا وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ اى حرمها بمعنى حرم قتلها فحذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه مبالغة في التحريم والمراد نفس المؤمن والمعاهد إِلَّا بِالْحَقِّ المبيح لقتلها اى لا يقتلونها بسبب من الأسباب الا بسبب الحق المزيل لحرمتها وعصمتها كما إذا قتل أحدا فيقتص به أو زنى وهو محصن فيرجم أو ارتد أو سعى في الأرض بالفساد فيقتل وَلا يَزْنُونَ الزنى وطئ المرأة من غير عقد شرعي واعلم أن اللّه تعالى نفى عن خواص العباد أمهات المعاصي من عبادة الغير وقتل النفس المحرمة والزنى بعد ما أثبت لهم أصول الطاعات من التواضع ومقابلة القبيح بالجميل واحياء الليل والدعاء والانفاق العدل وذلك إظهارا لكمال ايمانهم فإنه انما يكمل بالتحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل واشعارا بان الاجر المذكور فيما بعد موعود للجامع بين ذلك وتعريضا للكفرة باضداده اى وعباد الرحمن الذين لا يفعلون شيأ من هذه الكبائر التي جمعتهن الكفرة حيث كانوا مع اشراكهم به سبحانه مداومين على قتل النفوس المحرمة التي من جملتها الموؤودة مكبين على الزنى إذ كان عندهم مباحا وعن عبد اللّه ابن مسعود رضى اللّه عنه قال سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أي الذنب أعظم قال ( ان تجعل للّه ندا وهو خلقك ) قال قلت ثم أي قال ( ان تقتل ولدك مخافة ان يطعم معك ) قال قلت ثم أي ( قال إن تزني بحليلة جارك ) وفي التأويلات النجمية ( وَلا يَزْنُونَ ) اى لا يتصرفون